مقالاتمنشورات وإصدارات

نظام دولي يترنح وما زال يرى بعين واحدة ويسمع بأذن واحدة ويتحدث بلسانين

النظام الدولي السائد حالياً، والذي ما زالت تمسك بتلاليبه وتقوده حتى الآن الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور بفلكها من الدول الغربية، والتي تقيس وتفصل السياسة الدولية وفق مصالحها بغض النظر عن تعارضها وتناقضها في كثير من الأحيان مع القوانين والأعراف والمواثيق الدولية التي تم وضعها من أجل ضبط السياسة الدولية وكبح جماح الدول العظمى ووضع حد لاستعمار الشعوب والدول الضعيفة ومنحها الحق في تقرير مصيرها، وتكريس مبادئ الحرية والعدالة، وضمان حقوق الانسان وكرامته في كافة انحاء العالم ودون استثناء، وما يثير الإستهجان هو أن هذه الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة كانت من أهم المساهمين وضع هذه القوانين والأعراف والمواثيق، وفي نفس الوقت هي أكثر من ينتهكها ويتجاوزها عبر اعتماد سياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين التي تتعامل بها مع القضايا والنزاعات الدولية، والأمثلة على ذلك كثيرة ولا مجال لحصرها، إلا أن القضية الفلسطينية تحظى بنصيب الأسد من تطبيق هذه السياسة، حيث سجل هذا النظام الدولي أكبر وأوسع وأوقح انحياز لكل ما يتعارض مع تلك المعاهدات والمواثيق والقوانين بانحيازه للاحتلال الاسرائيلي “آخر احتلال في العالم”، وتجاهله عن قصد جميع القرارات الصادرة عن مؤسساته والتي تُصنف بأنها لصالح الشعب الفلسطيني وقضيته.
تعاطى النظام الدولي مع انفجار 7 أكتوبر والإجراءات التي اتخذتها العديد من الدول المؤثرة والفاعلة فيه وفي مقدمتها الولايات المتحدة جاءت لتؤكد استمرارها في تبني سياسة الإنحياز الكامل للاحتلال الاسرائيلي، والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني التي كفلها القانون الدولي ومن ضمنها حقه المشروع في الدفاع عن النفس، لا سيما وأن القيادة الفلسطينية والرئيس أبو مازن ومن على منبر الامم المتحدة  لطالما حذر من انفجار وشيك في المنطقة بسبب استمرار تنكر الاحتلال الاسرائيلي لحقوق الشعب الفلسطيني وسعيه لتصفية قضيته سياسياً، وتصاعد سياسات وإجراءات حكومة اليمين القومي – الديني الفاشية ضد الشعب الفلسطيني من خلال تطبيق سياسة الضم والتهويد وتدنيس واستباحة المقدسات والتضييق على الأسرى ومصادرة حقوقهم، واطلاق العنان لقطعان مستوطنيه وبحماية الجيش وبغطاء من الحكومة ليفرغوا حقدهم وعنصريتهم وفاشيتهم ضد المواطن الفلسطيني من قتل واعتداءات وحشية وحرق البيوت والزرع، واقتلاع الاشجار وتسميم الماشية واغتصاب الأرض وطرد أصحابها، وكل ذلك يأتي في إطار “نظرية حسم الصراع” التي تبنتها حكومة اليمين الفاشية.
لقد بلغ الصلف والعنجهية والغطرسة من رئيس حكومة الإحتلال ومن على منبر الامم المتحدة أن يعلن خطته “للسلام” والتي ضمنت عرض خارطة لدولة الاحتلال على كامل الاراضي الفلسطينية، يلغي فيها حل الدولتين وأي حقوق سياسية للشعب الفلسطيني في تكريس حقيقي لنظرية الحسم التي تتبناها حكومته، هذا في ظل الحديث عن استئناف مسار التطبيع مع الدول العربية، ونقاشات حول كيفية تحقيق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، وفي هذا السياق جاء رد الرئيس الفلسطيني ومن على منبر الأمم المتحدة أيضاً ليحذر من انفجار قادم وليؤكد على استحالة تصفية القضية الفلسطينية واستحالة تحقيق السلام والامن والاستقرار في الشرق الأوسط دون أن يحصل الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه الوطنية المشروعة، وكانت النتيجة لهذين الخطابين، خطاب الاحتلال وخطاب الحقيقة والحق الفلسطيني، والتي لم تتأخر كثيراً وتمثلت في انفجار 7 أكتوبر.
اصمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية آذانها عن التحذير المتكرر للرئيس الفلسطيني ولقادة في المنطقة والعالم من انفجار وشيك في المنطقة بسبب استمرار الإحتلال، وبالتالي أغمضت أعينها عن ممارسات وجرائم الإحتلال وقطعان مستوطنيه، ولكن وبشكل غير مفاجئ ولكنه صادم فتحت آذانها وأعينها إلى آخر مدى بعد عملية 7 أكتوبر، ولكنها وكالعادة رأت بعين واحدة، وما رأته فقط هو نتائج وقتلى العملية من الجانب الاسرائيلي فقط واعتبرته تهديداً وجودياً لدولة الإحتلال، وأغمضت العين الاخرى عن كل ما جرى ويجري بحق الشعب الفلسطيني، واستمعت بأذن واحدة لرواية حكومة الإحتلال المليئة بالأكاذيب والقصص الوحشية الوهمية، وأغلقت الأذن الأخرى عن سماع الرواية الفلسطينية بل ورفضت الإصغاء إليها، ليس هذا وحسب بل تجاهلت الروايات والتقارير والقصص التي تدحض كذب ومزاعم حكومة الاحتلال والصادرة عن اعلاميين ومواطنين اسرائيليين ومشاهد بث مباشر لما جرى أثناء العملية، ثم بدأت الحديث بلسانين لسان يدافع عن الاحتلال ويبرر جرائمه ويمنحه الحق المطلق بارتكاب مجازر وحرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني، ولسان يردد مزاعم الاحتلال وروايته المليئة بالكذب والتزوير والتشويه بحق الشعب الفلسطيني.
بالتأكيد من غير المنطقي أن نُفاجئ من الإنحياز الأمريكي الفاضح ودول أوروبية لصالح دولة الاحتلال، وما تبع ذلك من تحريك الأساطيل والبوارج الحربية والطائرات المقاتلة وفتح الباب على مصراعيه أمام المساعدات العسكرية المتطورة، فدولة الإحتلال بالأساس صنيعتها ونكبة الشعب الفلسطيني صنيعتها أيضاً، ولكن من المنطقي أن نُصدم من أن يتم منح الاحتلال شيك مفتوح دون حسيب أو رقيب ليرتكب جرائم بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تنتهك بشكل فاضح ووقح جميع القوانين الدولية التي تكفل حماية المدنيين أثناء الحرب، واطلاق العنان لقطعان المستوطنين في الضفة الغربية، ليس هذا وحسب بل الصمت عنها ومحاولة التعمية عليها بمنع كافة مظاهر التضامن مع الشعب الفلسطيني واستنكار ما يتعرض له من مجازر وانتهاكات، حد مواجهة المظاهرات السلمية التي  يكفلها الدستور في دول اوروبية تدعي انها ديمقراطية ومنارة للحرية وحقوق الانسان وتفريقها بالقوة، وذهاب بعضها لمنع رفع العلم الفلسطيني، وتهديد بعضها بوقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية.
حتى تاريخ كتابة هذا المقال بلغ عدد الشهداء في قطاع غزة أكثر من 2330 شهيد منهم 50 أسرة تم مسحها من السجل المدني، بينهم 650 طفل و400 امرأة، وبلغ عدد الجرحى أكثر من 9000 ثلثهم من الاطفال، وقام جيش الإحتلال بتدمير البنى التحتية واستهداف المستشفيات والمدارس والأسواق وسيارات الاسعاف والصحفيين، ومسح أحياء بكاملها عن الخارطة مستخدمة الأسلحة المحرمة دولياً بما فيها الفسفورية والعنقودية، ناهيك عن نزوح مئات الآلاف من منازلهم، وفوق ذلك كله تم قطع المياه والكهرباء والاتصالات ومنع الدواء والغذاء والوقود عن القطاع في أبشع أشكال العقوبات الجماعية التي ترقى لوصفها بجرائم الحرب والابادة الجماعية. ولم يقتصر الأمر على قطاع غزة فقد اطلقت حكومة الإحتلال العنان لجيشها ولقطعان المستوطنين في الضفة الغربية ليبثوا حقدهم وغلهم وعنصريتهم بحق أبناء شعبنا فسقط 50 شهيداً ومئات الجرحى، هذا فضلاً عن حرق البيوت والمزارع، وقطع الطرق وغيرها من الجرائم اليومية التي يرتكبها قطعان المستوطنين.
كل هذا وما زال النظام الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة ومعها مجموعة الدول الأوروبية التي تدور في فلكه يمعن في انحيازه الظالم ضد الشعب الفلسطيني، وبلغ هذا الظلم مداه في التلكؤ بالزام الاحتلال الاسرائيلي كحد أدنى بفتح ممرات آمنة لدخول المساعدات الطبية والغذائية، واستمرار صمتها عن حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها بحق المواطنين في قطاع غزة، لا بل الاستمرار بتبريرها والتعمية عليها.
ليس من باب التنظير ورفع الروح المعنوية، بل من باب الايمان المطلق بعدالة قضيتنا، أنه وبالرغم من كل ما يجري، ستتحطم كل المؤامرات التي يتم حياكتها الآن لتصفية القضية الفلسطينية، وسيكتب التاريخ أن هذا النظام الدولي الظالم الذي بدأ يفقد تماسكه ويترنح آيلاً للسقوط قد عجل الشعب الفلسطيني بسقوطه، وسيذهب غير مأسوفاً عليه.

الأستاذ أنور رجب

باحث في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

مقالات ذات صلة