أبحاث ودراساتمنشورات وإصدارات

لا لِأَدْيَنَة معركة التحرر، لا لإنقاذ ملك إسرائيل

مع نهاية عام 2010 ضرب الدول العربية تسونامي متعدد الموجات والتسميات شحن تيارات دفعه الرباعي ما سبقه من مقدمات تجزيئية لا زالت بدورها واثرها تتماهى مع اطار وأهداف سايكس – بيكو (1916). من تلك المقدمات:

العشرية السوداء في الجزائر 1992- 2002 ، غزو العراق في آذار 2003 ، الانقسام الفلسطيني في صيف 2007 ، تلك المقدمات لم تكن أحداثا عابرة انتهت مفاعليها وآثارها، ففي العراق مثلا، لا يزال تقسيم ذلك البلد الجميل وشعبه العريق، الذي استعصى على حضارات وإمبراطوريات وحافظ على فسيفسائه ديمغرافيا، وسياسيا، واجتماعيا، وطائفيا، يفعل فعله التجزيئي ليس على مستوى العراق وحده، بل على مستوى المنطقة باسرها. وبقليل من البحث، يمكن للناظر ان يدرك ان أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للغزو الحديث كان تدمير تلك اللوحة الفسيفسائية الجميلة واختلاق مفاعيل تجزئة وإطلاقها لتتشظى في وجه أهلها ومحيطها، وتحفر في وجه حاضرنا العربي وصمة ستبقى لعنتها تلاحقنا عقودا قادمة. كما ستخلق آثارها أجيالا مشوّهة بشظايا التجزئة المفتعلة ما سيعطي راحة طويلة الأمد لذلك العدو – الكيان الغريب الذي نخر جسد فلسطين كالسرطان الخبيث، وتسمد البذور التي زرعها وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا في اتفاقية “سايكس بيكو” عام 1916 . في تلك الاتفاقية، التي أريد لها ان تكون سرية والتي نفذت بمساعدة الإمبراطورية الروسية ومملكة إيطاليا، لم يتم الاتفاق على تقسيم بلاد العرب وحسب، بل جرى إرساء أسس إدامة هيمنة الاستعمار على المنطقة. فمنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية ما زال المنتصرون في الحرب يعتمدون على إدامة التجزئة، وتوزيع الأدوار وتكاملها في فرض السيطرة، وضمان انصياع الكيانات الناشئة للمركز الاستعماري وتبعيتها له، كأسس يحتكمون لها في اقتسام المصالح وتوزيع النفوذ والارباح فيما بينهم.

ومع مرور الزمن والتغيرات الجيوسياسية والمصالح الدولية، برزت دول أخرى ووجوه جديدة كان لا بد من التعامل معها على نفس الأسس، ولكن بإعمال قاعدة إعادة تقسيم المقسم، لضمان المصالح والأرباح والنفوذ بما يشمل حصص اللاعبين الجدد ويرعاها، ويديم حالة ضعف المنطقة وانصياع لاعبيها للمركز الاستعماري. ان تغير خارطة العلاقات والمصالح يقتضي بالضرورة إعادة ترتيب الأدوار وهو ما انتج تطورا في مكانة “الكيان الكامبلي” الذي تم التخطيط لزرعه في مؤتمر “لندن السري عام 1905” عبر “وثيقة كامبل” والتي أكد المؤتمرون بحسب هذه الوثيقة على :

“أن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس – قوة عدوة لشعب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها؛ هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة.”

وهذا يعني وفق الوثيقة أن “خبراء الغرب” وجدوا في إنشاء كيان غريب (هو الكيان الصهيوني – الاسرائيلي لاحقاً) في غربي البحر المتوسط (وخصوصاً فلسطين) وسيلة لإيجاد قلعة متقدمة ترعى المصالح الغربية، وتضمن ضعف المنطقة وتمنع وحدتها، وهو ما حدث ويحدث فعلاً.

إن تمكين “الكيان الكامبلي” لم يتحقق بشكل إستراتيجي حتى الألفية الثالثة. ويرجع السبب في ذلك إلى وجود دول في منطقة الشرق الأوسط ما زالت جيوشها قادرة على تهديده بشكل فعلي بالإضافة إلى وجود بعض الأحزاب العلمانية و القومية والوطنية في هذا الجزء من العالم قابضة على مبادئها وتعي معنى الهوية الوطنية وسيادة الدولة، وتنتمي بعروبتها وقوميتها إلى الوطن الكبير وتدافع عنه. بالتأكيد وجود دكتاتوريات خاضعة وتابعة للمراكز الاستعمارية، وما يتصل بحكمها من قمع للحريات وفساد مستشرٍ يزيد من حرمان الشعوب وقهرها، ويخدم غاية إدامة السيطرة والهيمنة الاستعمارية، في ظل العولمة والثورة التكنولوجية الحديثة وبعض المتغيرات بما فيها وعي الذات والمصالح الوطنية والقومية وانتشار ثقافة حقوق الانسان. اجتهد المنتصرون الجدد في المركز الاستعماري المهيمن، وقرروا بعد عناء ليس بطويل أن الدين لا يواجه إلا بالدين، وأن الفقراء لا يناقشون الله، وأن انجع الطرق في اقصاء الوطنين والعلماء والمفكرين مواجهتهم بالسيف وبأصحاب اللحى الطويلة الذين يحملون الفتاوى في جيوبهم.

في نهاية عام 2010 أغرق عالمنا العربي في أتون حرب وقودها نحن. حملت هذه الحرب شعارات الدمقرطة، واشراك المجتمع المدني، واطلاق الحريات واحترام حقوق الانسان واكتست بلباس ثورات ملونة. ما فتئت هذه الثورات تحرق صدور مئات الآلاف من الشبان الوطنيين الأبرياء الذين صدقوا مطلقي هذه الشعارات بحثا عن حياة طالما حلموا بها تحمل لهم في طياتها فرصا تطلق طاقاتهم وتمكنهم من العيش في أوطانهم بحرية وكرامة وعدالة طالما بحثوا عنها. لم يعرفوا أن هناك وحشا كامنا في عالمنا يمتلك لحى طويلة قد إُعدَّ لسنوات حتى يستطيع يوما ما حرق المنطقة من خلال لعب دور وكيل الله في الأرض. هذا الوكيل جاء على شكل إسلام سياسي حضاري برغماتي يلبي رغبة الغرب والغرباء، لا تعني له الهوية الوطنية أو القومية شيئا، يدين بالإرهاب الإسلاموي، ويشارك صانعوه الأوائل في تنفيذ مخططهم لإدامة واعادة تفتيت هذا الجزء من العالم، ولعب الورق بالطريقة التي ترضيهم. هذا الدور سماه المستعمرون وأمراء الحرب “ربيعا عربيا”، ورآه الوطنيون والقوميون وباءً استشرى فقضى على دولٍ وقسّم أهلها وشعبها وسمح للمستعمرين الجدد بالعودة لانتزاع ثروات بلاد طالما حلموا بمعاودة احتلالها. لم يدم الربيع المزعوم، فما كانت إلا سنوات قليلة حتى ظهر أصحاب اللحى على حقيقتهم وكشروا عن أنيابهم وسمّيتهم؛ فانكشفت عوراتهم وارتباطاتهم ومكانتهم في معادلة إدامة الهيمنة الاستعمارية على المنطقة ولكن للأسف بعد فوات الأوان.

بالاعتماد على تفكيك الجيوش العربية، واختلاق مفاعيل التجزئة وتنشيطها، وتقسيم المقسم وأدينة الصراعات والخلافات الداخلية (جعلها دينية)، راهنت إسرائيل على أن العرب لن تقوم لهم قائمة. وقد رأت في ذلك الفرصة الذهبية لخلق علاقات جديدة تكون من خلالها شريكا لبعض العرب في مواجهة مخاوفهم وقلقهم الذي تجاوز حدود العقل. رأت ان حالة الإرهاق الناشئة عن الإقليمية، والصراعات العربية – العربيةـ والصراعات المحلية – الأهلية والدينية والطائفية المفتعلة، تجعل إسرائيل شريكا محتملا في تحالفات ناشئة لمواجهة تلك التهديدات.

إنها الفرصة التي ستحول مكانة إسرائيل من عدو وجسم غريب إلى صديق وحليف. لقد عملت إدارة الرئيس الأمريكي غير المسيس دونالد ترامب منذ توليها مقاليد الحكم في البيت الأبيض مع بداية عام 2017 والتي سيطر عليها ثالوث يهودي – صهيوني متحالفا مع الإنجيليين منذ اللحظة الأولى إلى بناء حصان طروادة بعباءة إبراهيمية مُدّعاة. يُقدَم هذا الحصان للعرب كعربون محبة لتحقيق السلام المزعوم وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ويستقبله بعض العرب بترحاب الواهم بالريادة او اليائس من الصمود في مواجهة مخاوفه. يمتطون حصان الابراهيمية هذا دون اشتراط حل القضية الفلسطينية مقدما كما تقتضي “المبادرة العربية للسلام عام 2002” التي أطلقتها المملكة العربية السعودية. فالمبادرة العربية تشترط تحقيق السلام العادل والشامل مع الفلسطينيين على أساس إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين على أساس القرار الاممي رقم 194 كمقدمة يتلوها التطبيع مع إسرائيل.

نجح المتصهينون في إقناع بعض العرب بقبول حصان طروادة فاصبحوا للصهاينة المطية. في المقابل، لم ينجحوا حتى الان في إقناع المملكة العربية السعودية بامتطاء حصانهم الوهمي ولا باستقدام النتيجة قبل معالجة الاسباب. فما زالت السعودية، رغم ممارسة العديد من الضغوط عليها، متمسكة بمبادرتها بحسب ترتيب أولوياتها أي: السلام العادل والشامل مع الفلسطينيين يؤدي الى التطبيع وليس العكس.

منذ عام 2019 ترنحت إسرائيل في انتخابات متكررة كانت الخامسة منها خلال أقل من 4 سنوات لاختيار أعضاء الكنيست (البرلمان) الـ 25 منذ تأسيسها. ومع نهاية العام 2022 وبعد جولة انتخابات خامسة أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية المكلف بنيامين نتنياهو أنه نجح في تشكيل حكومة مع شركائه من الأحزاب الدينية واليمينية المتطرفة، وبذلك عاد (ملك إسرائيل) نتنياهو الذي يحاكم بتهم فساد ينفيها، خلفا لرئيس الوزراء المنتهية ولايته يائير لابيد. ويقول محللون مختصون في الشأن الإسرائيلي إن هذه الحكومة هي الأكثر يمينية وتطرفا في تاريخ إسرائيل، وربما الأدق هو القول بانها الأكثر فجاجة في عنصريتها واجرامها وعدوانيتها.

مع وصول نتنياهو العائد للانتقام إلى سدة الحكم والذي خضع لابتزاز أكثر الأحزاب الصهيونية الدينية تطرفا وهي التي يتزعمها المتطرف (بتسلائيل سموتريتش) وحزب “عوتسماه يهوديت” الذي يتزعمه المتطرف (إيتمار بن غفير) بدأت ملامح السيطرة اليهودية الارثوذكسية تتجلى في المشهد السياسي. ومنذ اسابيع بدء يظهر ذلك في إسرائيل على شكل صراع داخلي آخذ في التصاعد من جهة، وفي الارتفاع غير المسبوق في حجم الجرائم وعمليات القتل الممنهج والانتهاكات ضد الفلسطينيين من جهة أخرى. يتصدر المشهد بطريقة استعراضية شعبوية المتطرفان سومتريش وبن غفير من خلال اطلاق العنان لعصابات ومنظمات المستوطنين الإرهابية لتنفيذ جرائم القتل والحرق والدعوة للإبادة والتي ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب ضد الفلسطينيين.

على الجانب الآخر ، تلوح ملامح الانقسام والانشقاق في داخل المجتمع الإسرائيلي التي تبدو في مشاهد وممارسات التمييز العنصري بين اليهود انفسهم على أساس ديني أو عرقي أو مذهبي أو سياسي ديني. فمن جهة يعتبر الصهاينة المتدينون أن الفرصة قد حانت لهم لتحقيق الشعار التاريخي للصهيونية الارثوذكسية “ارض اسرائيل لشعب اسرائيل بموجب شريعة إسرائيل”. فعبر انفاذ التعاليم التوراتية وتعزيز المدارس الدينية اليهودية يحققون إقامة الدولة اليهودية العبرية. ولهذه الغاية يسلطون حربهم الداخلية لتجاوز العقبات “الدستورية”، فيسعون الى تغيير منظومة القوانين المعمول بها والنظام القضائي والى إلغاء الأنظمة والتشريعات التي تضمن التعددية داخل المجتمع الاسرائيلي. في مقابل ذلك، استشعر الصهاينة العلمانيون والليبراليون والسياسيون المنتمون إلى بعض أحزاب اليمين- الوسط وغيرهم بأن نهايتهم قد حانت وبأن هؤلاء المتطرفين سوف يعملون على إنهاء وجودهم في داخل إسرائيل إذا استطاعوا تنفيذ برنامجهم خلال الفترة القادمة. يعمل هؤلاء حاليا على تحريك الشارع الإسرائيلي المرتجف الذي طالما شاهد ودعم الجرائم ضد الفلسطينين وللمرة الأولى للدفاع عن وجوده في داخل إسرائيل معتبرين ما يحدث تهديدا وجوديا لهم. وللمرة الأولى لم يعد الشعب الفلسطيني المحتل منذ أكثر من 75عاما الضحية الوحيدة للصهيونية العنصرية، الاستعمارية، بل كل من هم من غير الصهيونية الدينية. فهل قُلب السحر على الساحر؟ وهل ما نراه يؤشر إلى ربيعٍ إسرائيلي حقيقيٍّ؟ هل ستستطيع إسرائيل بقيادة ملكها الحديث الضعيف الباحث عن تنظيف نفسه من تهم الفساد والصمود في وجهِ تلك الاحتجاجات؟ هل سيستخدم نتنياهو تكتيكاته السابقة في فتحِ جبهاتٍ خارجيةٍ من خلال التصعيد شمالا أو جنوبا أو في غرب آسيا يلجم من خلالها معارضيه وتعود الأطراف المتناحرة علنا إلى خدمة بعضها سرًا مرة أخرى؟ هل سينجح نتنياهو في توظيف سياسة اختلاق العدو الخارجي والخطر الاستراتيجي الخارجي أم أنّ هذه المرة سيصرعه معارضوه بلا هوادة؟

مما لا شك فيه أن المتغيرات الحاصلة في كيان “كامبل” تقتضي البحث والتركيز حتى لا نقع مرة أخرى ضحية لحفاظ كيان كامبل على تماسكه ونضطر لدفع الثمن من دمائنا أو من مبادئنا القومية والوطنية أو هويتنا وسيادتنا الوطنية .من الواضح ان علينا عدم الانجرار الى معارك غير محسوبة يدفعنا اليها نتنياهو وحلفائه ستشكل له ولإسرائيل المتأزمة مخارج تعيده بطلا قوميا وتعيد تألف المتصارعين الصهاينة على حساب دماء شعبنا. ومن الواضح أيضا ان السقوط في الخطاب الديني من جهتنا لا يخدم الا أحزاب الصهيونية الدينية. أدينة الصراعات الداخلية في العالم العربي ما زال يهدر مستقبل الشعوب العربية، فلا يجوز أدينه الصراع مع الصهيونية وإسرائيل كي لا نهدر ما تبقى من مقومات عدالة قضية شعبنا. علينا ان نتنبه الى الشرك: شرك الحرب الدينية وشرك إعطاء إسرائيل – راعية منظومة الاستعمار والابرتهايد – فرصة للخروج من مازقها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *