مقالات

الإستراتيجية” و”التخطيط الإستراتيجي” بمنظار مختار محمد الماغوط!!

سؤال عالماشي- موفق مطر
يحظى مصطلح “الإستراتيجية” و”التخطيط الإستراتيجي” بلون حار فاقع، لدى متحدثين وناطقين تضاعف حضورهم اليومي، في فضاء الأحداث ووسائل الإعلام الناقلة، والموفرة لأطول الفترات الزمنية لهؤلاء، ليلطخوا المتلقي بهذه العبارات الثقيلة، وكأنهم بذلك يقصدون التغطية على كلامهم الباهت الفارغ من مضامينه، أو أنهم يعتقدون بأن الجمهور لا يعرف معنى الإستراتيجية، والتخطيط الإستراتيجي، لذلك تحفل بياناتهم وخطاباتهم المبثوثة على الهواء مباشرة أو المسجلة في أقبية، أو تحت مستوى سطح الأرض بعشرات الأمتار، أو خلال مؤتمرات صحفية يكاد وجه المسمى (قيادي) لا يظهر من كثافة ميكروفونات الفضائيات، المعني بعضها بضخ هذا المصطلح، عبر استضافة ما تسميهم “خبراء إستراتيجيين” للتعليق، والشرح على المستجد من الأحداث، ونعتقد أن الهدف واضح ومعلوم وهو إغراق المشاهد بأوهام، ووقائع تم تضخيمها بعناية، مع بهارات من مهارات لغوية لدى البعض، أو استخدام وسائل إيضاح تقنية متقدمة لإبهار بصر المتلقي (المشاهد)، ومحاولة تقليل مخاطر الحقائق والوقائع المادية الفعلية على الأرض، وهنا يصير مصطلح الإستراتيجية المطروح في غير سياقه، قنبلة خارقة حارقة مدمرة لمعرفة ووعي المتلقي الفلسطيني والعربي، لا يقل تأثيرها عن القنابل الحربية المدمرة لكل أشكال الحياة على أرض وطننا، فهذه القنابل تستخدم في حملة إبادة دموية، فيما مطلقو قذائف الإستراتيجية والتخطيط الإستراتيجي (الفشنك أو الخلبية) أي الصوتية، فإن ضجيجها يحرف السامع عن التركيز، ويضعف قدرته على التفكر بما يسمع ويرى!!.
لا يمكننا وضع الحالة هذه في خانة حسن النوايا أبداً، وتحديدا لدى وسائل إعلام بات معلوما لنا نهجها العملي، تحت عنوان: الرأي الآخر!! لكنها في الحقيقة يمكن اعتبارها حالة مرئية ومسموعة عاكسة لمنهج مستخدمي الدين، الذين لم يتورعوا عن استخدام المصطلحات الدينية المقدسة، بعد تحويرها وتوظيفها، لتحقيق أهدافهم الفئوية العصبوية!..
ونعتقد أن المتلقي العارف لمعنى الإستراتيجية والتخطيط الإستراتيجي، لقادر على كشف مكامن الكذب في الخطاب، أو البيان، أو المتحدث، الذي بات موسوما ومدموغا بمصطلح الكذاب، لكثرة تناقضاته، وفشله في محاولات قفزه فوق الحقائق والوقائع الميدانية، وأخذ الجمهور إلى مربع استسهال حملة الإبادة الدموية الصهيونية، وما فيها من فظائع ومجازر بحق آلاف المواطنين يشيب من هولها الأطفال!! محاولا إقناع الأحياء ومن تبقى على قيد الحياة من عائلات أبيدت، وشطبت من السجل المدني “بأنه بخير وألف خير”! ذلك أن هذا “المدعي” لا يعرف من الإستراتيجية وأهدافها سوى أن يكون هو ورؤوس جماعته بخير، كمختار الكاتب المبدع محمد الماغوط –رحمه الله– الذي اختزل هدف إستراتيجيته في مواجهة اللص (العدو) ببقائه حيا وبمنصب المختار، رغم دمار حل بالقرية واستشهاد أحسن وأشجع رجالها!!
السؤال الأهم الآن: هل سيستمر مسلسل خداع الجماهير بمصطلحات “الإستراتيجية والتخطيط الإستراتيجي” إلى ما لا نهاية، أم أن الجماهير بفطرتها وذكائها باتت قادرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الغث والسمين، أي التمييز بين إستراتيجية العقل الوطني، وإستراتيجية العقل المتأكسد العصبوي الفئوي، والأهم من ذلك وبالمقدمة إستراتيجية منظومة الاحتلال الاستعمارية الصهيونية، وهل يجب تعريف الجماهير بمعنى هذا المصطلح لإدراك ما يحدث لها وما تراه وتسمعه!..
فمفهوم الإستراتيجية يعني نظم السياسات والمناهج والخطط وتحديد الأساليب بقصد تحقيق أهداف مرسومة سلفا في نطاق زمن محدد وتكاليف وجهود يتم تقديرها بعناية، وقد عرف الجنرال الفرنسي المشارك في الحرب العالمية الثانية (أندريه بوفر) بأنها: “فن وعلم حوار الإرادات، تستخدم القوة لحل خلافاتها”.. أما الجنرال (بالت) فقد عرف الإستراتيجية بأنها: “فن تعبئة وتوجيه موارد الأمة أو مجموعة من الأمم بما فيها القوات المسلحة لدعم وحماية مصالحها من أعدائها الفعليين أو المحتمليين”.. والإستراتيجية العسكرية حسب التعريفات المرجعية فهي: “علوم قيادة الحرب والتخطيط هو علوم القتال وتوزيع واستخدام الإمكانات والوسائل العسكرية المختلفة لتحقيق هدف السياسة بالطريقة المثلى التي تؤمن التوائم بين الإمكانات والهدف” لكن هذه الإستراتيجية العسكرية تبقى بإمرة الإستراتيجية العليا التي تعتمد سياسة الحرب”. ما يعني أن السياسة ترسم وتحدد الهدف الذي تسعى الأمة أو الدولة لتحقيقه سواء بالسبل العسكرية أو سواها، أما الإستراتيجية العليا فهي السياسة لكن في مرحلة التنفيذ سواء كانت سلمية أو عسكرية..
فالإستراتيجية لا تعني حصرا الإستراتيجية العسكرية لتحقيق هدف السياسة، فالإستراتيجية السياسية المرتكزة على نهج سياسي ودبلوماسي وقانوني وخطط اقتصادية ونفسية لتحقيق الأهداف تكون أجدى وأنفع، بناء على ما ذهب إليه الجنرال بالت بأن الاستراتيجية علم وفن حوار الإرادات، حتى وإن لم يستبعد القوة لحل الخلافات.
ويبقى القول الفصل بمثابة أمانة لدى الجماهير، وهي التفريق بين الإستراتيجية العليا الحقيقية المعنية بديمومة الحياة بعزة وكرامة وحرية وتحقيق الأهداف بأعلى مستوى من العقلانية وبأقل قدر من الخسائر، وبين قاصفي أسماع الجماهير بمصطلحات الإستراتيجية والتخطيط الإستراتيجي العسكري، التي لم يظهر من أهدافها سوى بقاء رؤوس بعينها بألف خير! دون احتياط أو تخطيط يحول دون تمكين رؤوس السياسة الإستراتيجية العليا للمحتلين الصهاينة والمستعمرين من تنفيذ خططهم الجاهزة سلفا لسفك دماء الشعب الفلسطيني وإبادته!.

مقالات ذات صلة